الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

33

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

صلب آدم عليه السّلام على صورة الذّرّ ، فقد جاء الحديث بذلك على اختلاف ألفاظه ومعانيه ، والصحيح أنهّ أخرج الذرّيّة من ظهره كالذرّ ، فملأ بهم الأفق ، وجعل على بعضهم نورا لا يشوبه ظلمة ، وعلى بعضهم ظلمة لا يشوبها نور ، وعلى بعضهم نور وظلمة ، فقال تعالى لأدم : أمّا الّذين عليهم النور بلا ظلمة ، فهم أصفيائي من ولدك الّذين يطيعوني ولا يعصوني في شيء من أمري ، فأولئك سكّان الجنّة ، وأمّا الذين عليهم ظلمة لا يشوبها نور ، فهم الكفّار من ولدك الّذين يعصوني ولا يطيعوني في شيء من أمري ، فهؤلاء حطب جهنّم ، وأمّا الّذين عليهم نور وظلمة ، فأولئك الذين يطيعوني من ولدك ويعصوني ، يخلطون أعمالهم السيّئة بأعمالهم الحسنة ، فهؤلاء أمرهم إليّ : إن شئت عذّبتهم فبعدلي ، وإن شئت عفوت عنهم بتفضّلي . قال : فأنبأه اللّه تعالى بما يكون من ولده ، وشبّههم بالذرّ الّذي أخرجه من ظهره ، وجعلهم علامة على كثرة ولده ، قال : ويحتمل أن يكون ما أخرجه من ظهره أصول أجسام ذريّته دون أرواحهم ، وإنّما فعل اللّه تعالى ذلك ليدلّ آدم على العاقبة منه ، ويظهر له من قدرته وسلطانه من عجائب صنعه ، وعلمه بالكائن قبل كونه ليزداد آدم يقينا بربهّ . قال : وأمّا الأخبار التي جاءت بأنّ ذريّة آدم استنطقوا في الذرّ ، فنطقوا فأخذ عليهم العهد فأقرّوا ، فهي من أخبار التناسخية ، وقد خلطوا فيها ومزجوا الحقّ بالباطل . قال : والمعتمد من إخراج الذريّة ما ذكرنا ، دون ما ينطق القول به على الدّلالة العقلية والحجج السمعية ، وإنّما هو غلط لا يثبت به أثر على ما وصفناه . قال : فإن تعلّق متعلّق بقوله تعالى : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ